وفي حديث خاص خلال برنامج “يوم جديد” مع الزميلة سارة رزق، الذي يبث عبر أثير راديو بيت لحم 2000، تم تسليط الضوء على تجربة ملهمة لإحدى خريجات البرنامج، سماح جبرمهنة، سيدة أعمال فلسطينية وصاحبة مشروع “العنقاء للتطريز الغزي”، وهو مشروع ريادي يعنى بالحفاظ على التراث الفلسطيني، وتحديداً التطريز الغزي، بوصفه هوية ثقافية واقتصادية في آن واحد.
من غزة… حكاية تطريز وهوية
تروي سماح جبرمهنة أن فكرة مشروع “العنقاء” انطلقت من ارتباطها العميق بمدينة غزة وتراثها، ومن إيمانها بأن التطريز الفلسطيني ليس مجرد قطعة قماش أو منتج فني، بل هو حكاية وهوية وذاكرة جمعية تختزن التاريخ والقصص والرموز. وتوضح أنها نشأت على هذه الحرفة بين جدتها وعمّتها، قبل أن تكتشف، بعد انتقالها، أن التطريز الغزي يكاد يكون غائباً أو غير معروف بالشكل الكافي، ما دفعها إلى حمل رسالة تعريف به وإعادة تقديمه بأسلوب معاصر يدمج التراث في الحياة اليومية دون المساس بجوهره.
وتؤكد سماح أن مشروعها يسعى إلى إخراج التطريز الغزي من الإطار التقليدي، عبر دمجه في منتجات عصرية قابلة للاستخدام اليومي، مع الحفاظ على قيمته الفنية والتاريخية، وإبراز رموزه التي تعكس هوية غزة وفلسطين.
برنامج “فلسطينيات”… من فكرة إلى قيادة واعية
وعن دافعها للالتحاق ببرنامج “فلسطينيات لإدارة الأعمال”، تقول سماح إنها كانت تمتلك فكرة مشروع واضحة، لكنها لم تكن تمتلك أدوات القيادة والإدارة اللازمة لتحويل الفكرة إلى مشروع مستدام. وتضيف أن البرنامج شكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسيرتها، إذ ساعدها على أن تصبح قائدة واعية لمشروعها، تمتلك أدوات التخطيط والإدارة والتمويل، وتفهم احتياجات السوق ومتطلبات الاستدامة.
وتصف تجربتها في البرنامج بأنها تجربة تفاعلية وعملية، لا تقتصر على ورش عمل نظرية، بل تعتمد على العمل خطوة بخطوة، والنظر إلى المشروع من زوايا جديدة، ما ساهم في تحويل الفكرة إلى مشروع ريادي قائم على أسس واضحة.
مهارات جديدة وتغيير في طريقة التفكير
تشير سماح إلى أن أبرز ما اكتسبته من البرنامج هو تغيير طريقة التفكير، سواء على مستوى العمل أو الحياة الشخصية. فقد تعلمت كيفية إعداد دراسات الجدوى، وفهم الأرقام والجدوى المالية، ووضع سياسات التسعير، والتعامل مع الجوانب الضريبية والتسجيل الرسمي، إضافة إلى التفكير خارج الصندوق واتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة.
كما كان للتخطيط الاستراتيجي والمالي أثر مباشر على تطوير مشروع “العنقاء”، من حيث تحديد الأولويات، وإدارة المخاطر، وضمان قابلية المشروع للنمو والاستدامة على المدى الطويل.
التطريز الغزي.. خصوصية فنية واقتصادية
يوضح مشروع “العنقاء” خصوصية التطريز الغزي، وخاصة التطريز بالخرز، الذي يميز مناطق جنوب غزة مثل خانيونس ورفح ودير البلح. وتبين سماح أن هذا النوع من التطريز يختلف عن غيره في المدن الفلسطينية الأخرى، سواء من حيث التقنية أو المواد المستخدمة، إذ يتم التطريز بالخرز مباشرة، ما يمنح القطع طابعاً فنياً فريداً.
ورغم التحديات المتعلقة بتوفير المواد الخام، خاصة الخرز الأصلي، تعمل سماح على إيجاد بدائل مناسبة تضمن استمرارية الإنتاج، مع الحفاظ على هوية التطريز الغزي كمنتج تراثي أصيل.
التشبيك.. بوابة للفرص
أحد أبرز عناصر القوة في برنامج “فلسطينيات”، بحسب سماح، كان التشبيك وبناء العلاقات المهنية، حيث أتاح البرنامج التعرف على سيدات أعمال ناجحات، وخبيرات في مجالات مختلفة، وفتح أبواب التعاون مع مؤسسات ومعارض وفرص إعلامية، ما ساهم في تعزيز حضور المشروع وتسليط الضوء عليه.
ريادة الأعمال كأداة لحماية التراث
تؤمن سماح جبرمهنة بأن ريادة الأعمال تمثل أداة قوية لحماية التراث الفلسطيني، من خلال تحويله من موروث جامد إلى منتج حي ومطلوب في الأسواق، يُستخدم في الحياة اليومية والمناسبات المختلفة. إلا أنها تشير في الوقت ذاته إلى تحديات كبيرة تواجه المشاريع التراثية، أبرزها ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى الأسواق، خاصة الإقليمية والدولية، في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة.
وترى أن تجاوز هذه التحديات ممكن عبر الإبداع، والتخطيط السليم، والمشاركة في المعارض، وبناء الشراكات.
رسالة للنساء وطموح نحو العالمية
توجّه سماح نصيحة لكل سيدة فلسطينية تؤمن بفكرتها بأن تبدأ، ولو بخطوة صغيرة، مؤكدة أن البدايات المتواضعة يمكن أن تنمو وتتحول إلى مشاريع ناجحة. كما توصي بشدة بالالتحاق ببرنامج “فلسطينيات لإدارة الأعمال”، لما يوفره من دعم عملي، وإداري، ونفسي، وثقافي.
أما عن طموحها المستقبلي، فتسعى سماح إلى إيصال مشروع “العنقاء” إلى العالمية، ليكون منصة فلسطينية لحماية التراث الغزي، ودعمه اقتصادياً، وخلق فرص عمل جديدة، وتقديم التطريز الفلسطيني بصورة تليق بتاريخه وقيمته الحضارية.
ويمكن للراغبين بالاطلاع على منتجات “العنقاء للتطريز الغزي” والتواصل مع المشروع، زيارة الصفحات الرسمية على فيسبوك وإنستغرام، حيث تُعرض الأعمال التراثية بأسلوب عصري يعكس روح فلسطين وهويتها.

