بيت لحم 2000 – قال الرائد حقوقي فارس صلاحات، مسؤول وحدة النوع الاجتماعي والتدريب للجرائم الإلكترونية في شرطة محافظة بيت لحم، اليوم الثلاثاء، إن الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالنوع الاجتماعي تشهد تصاعداً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، محذراً من وجود حالات كثيرة لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الخوف من نظرة المجتمع أكثر من الخوف من القانون، ومؤكداً أن الثقة بالقانون الفلسطيني وجهات إنفاذه تشكل الركيزة الأساسية لمواجهة هذه الجرائم والحد من انتشارها.
وأوضح الرائد صلاحات في حديث خلال برنامج “يوم جديد” مع الزميلة سارة رزق، الذي يبث عبر أثير إذاعتنا، أن مفهوم النوع الاجتماعي يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص، غير أن الأحكام المسبقة والوصم الاجتماعي يجعلان وقع الجريمة مختلفاً على الضحايا، خاصة في قضايا الابتزاز والتشهير، حيث تتعرض الفتيات أحياناً لضغوط مضاعفة مقارنة بالشبان، رغم أن الجريمة لا تفرق بين ذكر وأنثى. وأضاف أن من أخطر الظواهر لجوء بعض الضحايا إلى أشخاص يدّعون القدرة على “التهكير” لحذف المواد أو استرجاع الحسابات، أو حتى الرضوخ للمبتز ودفع الأموال، نتيجة الجهل بالإجراءات القانونية المتاحة، مؤكداً أن القانون وُجد لحماية الضحية، وأن هناك وحدة متخصصة في الشرطة ونيابة مختصة تتابع القضايا بسرية تامة.
وبيّن أن الابتزاز الجنسي الرقمي يتصدر أشكال الجرائم الإلكترونية الأكثر انتشاراً حالياً، ويتم عبر استدراج الضحايا إلى محادثات مرئية أو تبادل صور ومقاطع خاصة، ثم تهديدهم بنشرها. كما أشار إلى انتشار جرائم التشهير وانتحال الشخصية ونشر الصور دون إذن، محذراً من أن التشهير قد يقود إلى نتائج خطيرة تصل إلى إيذاء النفس أو الانتحار، ما يرفع الفعل من مجرد جنحة إلى جريمة ذات أبعاد أخطر.
وكشف صلاحات عن تضخم واضح في أعداد الجرائم المسجلة، مبيناً أنه في عام 2022 تم تسجيل ما يفوق 6000 جريمة إلكترونية في 11 محافظة، مقارنة بنحو 250 جريمة فقط سنوياً خلال الفترة ما بين 2012 و2021، معتبراً أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير من المعلن بسبب إحجام البعض عن التبليغ. وأرجع الزيادة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى انفتاح الفضاء الرقمي وتأثير جهات خارجية، مشيراً إلى ورود قضايا من خارج الوطن، بما فيها دول عربية وأجنبية.
وأكد أن الخوف من الفضيحة أو الوصم الاجتماعي لا يزال يشكل عائقاً أمام التبليغ، لافتاً إلى أن المجتمع أحياناً يحاكم الضحية بدلاً من محاسبة الجاني، وهو ما وصفه بأنه نتيجة نقص في الثقافة الرقمية والوعي بطبيعة المخاطر الإلكترونية. وشدد على أن أي شخص قد يقع ضحية بضغطة زر أو رابط خبيث أو تطبيق مهكر، وأن الجريمة الإلكترونية لا تميز بين صغير وكبير.
وأوضح أن الصمت العائلي على الابتزاز يشجع المبتز على الاستمرار ويحوّل الجريمة إلى مصدر دخل له، داعياً إلى كسر دائرة الخوف والتوجه فوراً إلى الجهات المختصة. كما أشار إلى تحديات فنية وقانونية في بعض القضايا، خاصة تلك المرتبطة بشرائح اتصال إسرائيلية أو حسابات ملغاة أو جرائم عابرة للحدود، مبيناً أن فلسطين عضو في منظمة الإنتربول، ما يتيح التعاون الدولي، وإن كانت هناك صعوبات في بعض الحالات بحسب طبيعة الاتفاقيات مع الدول.
وفيما يتعلق بالإطار القانوني، أوضح أن قانون العقوبات الأردني لعام 1960 لم يكن يتضمن نصوصاً خاصة بالجرائم الإلكترونية، إلا أن التطورات التكنولوجية المتسارعة أدت إلى إصدار قرارات بقوانين حديثة، أبرزها قرار بقانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية، ثم قرار بقانون رقم 28 لسنة 2020، وصولاً إلى القرار بقانون رقم 38 لسنة 2021 الذي جاء بصيغة أشمل لمواكبة المستجدات الرقمية والتقنية.
وأشار صلاحات إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الشرطة ضعف ثقافة التبليغ وقلة الوعي بالحقوق والواجبات الرقمية، مؤكداً أنه لا يوجد ما يسمى “خارج نطاق المحاسبة”، فكل مرتكب جريمة إلكترونية يمكن ملاحقته قانونياً متى توفرت الشكوى والأدلة اللازمة، مع ضرورة إدراك أن بعض الجرائم تحتاج إلى شكوى شخصية لتحريك الدعوى.
وحول الأخطاء الشائعة التي تعرض المستخدمين للخطر، حذر من تنزيل التطبيقات المهكرة من خارج المتاجر الرسمية، وترك الهواتف بأيدي الأطفال دون رقابة، ونشر الصور في مناسبات خاصة دون مراعاة خصوصية الآخرين، مشيراً إلى أن اختراق جهاز واحد قد يؤدي إلى كشف خصوصية عدة أشخاص كانوا في صورة أو مقطع واحد.
ووجه رسالة مباشرة إلى الأسر الفلسطينية بضرورة تعزيز الثقة داخل العائلة، وبين الطلبة ومدارسهم، مؤكداً أن “الثقة” هي خط الدفاع الأول: الثقة بالعائلة، والثقة بالبيئة التعليمية، والثقة بالقانون. كما دعا إلى تفعيل المصادقة الثنائية على الحسابات، وعدم التفاعل مع الروابط المشبوهة، وحماية الهوية الرقمية خاصة مع انتشار التطبيقات والخدمات المالية الإلكترونية، مشدداً على أهمية الاستئذان قبل نشر صور الآخرين احتراماً للقانون والخصوصية.
وختم الرائد فارس صلاحات حديثه بالتأكيد على أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، يمكن أن تكون أداة للتطور والمعرفة، أو وسيلة للإضرار بالنفس والآخرين، وأن الاستخدام الواعي والمسؤول، إلى جانب التبليغ المبكر والثقة بالمؤسسات، هو السبيل الأنجع للحد من الجرائم الإلكترونية وحماية المجتمع.

